السيد عباس علي الموسوي
21
شرح نهج البلاغة
أقبلوا عليها وأرادوا اقتناص لذاتها والوصول إليها فبينما هم في ظلها يتنعمون وهي تغدق بخيرها عليهم حتى كأن الدهر قد نسيهم فلم تلحقهم مصيبة ولم يصابوا بأذى فبينما هم كذلك إذ حلت مصائب الدهر ونوائبه فيهم فداستهم ودرستهم ورفعت ما كان بهم من قوة وحلت محله الضعف ونظر إليهم الموت عن قرب ببعث رسله من الأمراض تصيبهم والآفات تحل بهم . ( فخالطه بث لا يعرفه ونجي هم ما كان يجده وتولدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحته ) هذه هي حالة المترف المتنعم الذي كان يطلب دوام السرور والراحة فعند ما يهجم عليه الموت وتبتدأ رسله توفد عليه عندها تأخذ نفسه تحدثه بأحزان لا يعرفها من ذي قبل وتناجيه بهموم وطوارق ما كان عهده بها ولم يكن يحس بها من قبل . . . إنهم أبناء الدنيا أشد ما يكونون هلعا وخوفا عندما يحسون أن الموت يطرق أبوابهم أو يرسل إليهم برسله . . . إنهم يقلقون ويفزعون ويخافون وتحدثهم أنفسهم بما لا عهد لهم به . . . باقتراب الأجل . . . والخروج من الدنيا . . . وترك ما جنوا واكتسبوا . . . تحدثهم بمفارقة المال والأهل والملذات فيعز عليهم ذلك فيداخلهم أسى شديد ويعيشون كآبة نفسية تنغّص عليهم ما تبقى لهم من أيام وساعات . . . لقد تولدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحته : لقد أخذت العلل والأمراض تنمو في بدنه وتتوالد من فترة إلى آخرى فكان آنس أيامه ما كان في صحته معافى . . . ( ففزع إلى ما كان عودّه الأطباء من تسكين الحار بالقار وتحريك البارد بالحار فلم يطفى ء ببارد إلا ثوّر حرارة ولا حرك بحار إلا هيج برودة ولا اعتدل بممازج لتلك الطبائع إلا أمد منها كل ذات داء ) هذه صورة للمترفين الذين يعز عليهم أن يمرضوا فيحافظوا على صحتهم أكثر مما تستحق ولذا بمجرد أن يصاب أحدهم بوعكة صحية أو يلمّ به مرض بسيط أو يستشعر بآفة تراه يلجأ مسرعا للأطباء ويتفحّص الأدوية ويهّب لاستعمالها . . . إن هذا المسكين الذي اعتاد على وصفات الأطباء يذهب مستعجلا نحوها مستعملا لها بمجرد أن يستشعر ضعفا تراه يهدأ الحرارة بالبرودة ويرفع البرودة بما يرفعها ولكنّ هذا الاستعمال يأتي بضده فلم يطفى ء ببارد حارا إلا ثور حرارة وكأنه يصب زيتا على النار ويزيدها اشتعالا يأتي ليرفع الحرارة بالبرودة فإذا به ترتفع حرارته ويريد أن يرفع البرودة بما يبعث الحرارة فإذا به يزداد برودة . . . إنه لم يطلب استعمال ما يعتدل به المزاج ويرّد الأمور إلى طبيعتها إلا نتج عن ذلك مضاعفات فتزداد أمراضه ويضاف إلى ما هو فيه من البلاء بلاء جديد .